لم تعد غزة مجرد ساحة مواجهة عسكرية تقليدية بقدر ما أصبحت عقدة سياسية وأمنية وإنسانية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حسابات الميدان مع رهانات السياسة، وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية مع معاناة يومية يعيشها السكان تحت ضغط واقع استثنائي طال أمده. ومع استمرار تسارع الأحداث وتبدل معادلات القوة، تبدو المرحلة القادمة محمّلة باحتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي أو الدخول في دورات جديدة من التصعيد، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتوازنات دولية متغيرة.
المشهد الميداني في غزة شهد خلال الفترة الماضية تحولات واضحة في طبيعة المواجهة وأدواتها، حيث لم يعد الصراع يعتمد فقط على الاشتباكات المباشرة أو العمليات العسكرية التقليدية، بل بات يتسم بحروب استنزاف طويلة تعتمد على استراتيجيات متغيرة، تستخدم فيها التكنولوجيا والمعلومات والاستخبارات بشكل مكثف، إلى جانب العامل النفسي والإعلامي الذي أصبح جزءاً أساسياً من معادلة الصراع. هذا التحول يعكس إدراك الأطراف المتصارعة أن الحسم العسكري الكامل بات أمراً معقداً، ما دفعها إلى تبني أساليب ضغط متعددة تهدف إلى تحقيق مكاسب تدريجية بدلاً من انتصارات حاسمة.
في المقابل، يفرض الواقع الإنساني في غزة نفسه كعامل مؤثر في مسار الأحداث، حيث يواجه السكان تحديات غير مسبوقة نتيجة الدمار الواسع وتراجع البنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية. هذه الأوضاع لا تشكل فقط أزمة إنسانية، بل تتحول إلى عنصر ضغط سياسي وأمني، إذ ترتبط استقرار الأوضاع المعيشية بشكل مباشر بإمكانية تهدئة التصعيد أو انفجاره مجدداً. وفي ظل تراجع فرص إعادة الإعمار السريعة وتعقيدات إدخال المساعدات، يبقى الوضع الإنساني أحد أهم المفاتيح التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
سياسياً، تشهد الساحة المرتبطة بغزة حالة من إعادة التموضع، حيث تسعى أطراف عدة إلى إعادة ترتيب أوراقها بما يتناسب مع المتغيرات الميدانية. بعض القوى تحاول تعزيز نفوذها عبر استثمار نتائج المواجهات، بينما تعمل أطراف أخرى على طرح مبادرات تهدف إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد مقابل ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. إلا أن هذه المبادرات غالباً ما تصطدم بتباين الأهداف بين الأطراف المعنية، ما يجعل فرص الوصول إلى اتفاقات شاملة أمراً معقداً، خاصة في ظل غياب رؤية موحدة للحل النهائي.
إقليمياً، تزداد أهمية غزة ضمن حسابات التوازنات السياسية في المنطقة، حيث أصبحت جزءاً من شبكة صراعات أوسع تتداخل فيها ملفات الأمن والطاقة والتحالفات الإقليمية. بعض الدول تنظر إلى استقرار غزة باعتباره ضرورة للحفاظ على توازنات داخلية وإقليمية، فيما ترى أطراف أخرى أن استمرار التوتر قد يخدم مصالح استراتيجية معينة. هذا التباين في المواقف الإقليمية يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد، ويجعل أي تسوية محتملة مرتبطة بتفاهمات تتجاوز حدود غزة نفسها.
على المستوى الدولي، يظهر اهتمام متزايد بمتابعة التطورات في غزة، لكنه غالباً ما يتخذ طابع إدارة الأزمة أكثر من السعي لحل جذري لها. القوى الدولية الكبرى تبدو حريصة على منع انفجار شامل قد يهدد استقرار المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تواجه صعوبات في فرض حلول سياسية دائمة بسبب تضارب المصالح الدولية وتعدد أولوياتها. ونتيجة لذلك، يبقى المشهد مفتوحاً على تدخلات دولية محدودة تركز على التهدئة المؤقتة وتقديم المساعدات الإنسانية، دون التوصل إلى تسويات سياسية شاملة.
المرحلة القادمة في غزة قد تشهد سيناريوهات متعددة، أبرزها احتمال تثبيت تهدئة طويلة نسبياً تقوم على ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، وهو سيناريو يتطلب توافقات سياسية معقدة وتقديم تنازلات متبادلة. في المقابل، يبقى احتمال عودة التصعيد قائماً في حال فشل الجهود السياسية أو تفاقمت الأزمات الإنسانية، خاصة أن عوامل الانفجار لا تزال موجودة، بدءاً من التوترات الميدانية وصولاً إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن التحولات داخل المجتمع الغزي نفسه قد تلعب دوراً مهماً في رسم ملامح المستقبل، حيث تؤدي الضغوط المعيشية والتغيرات الاجتماعية إلى إعادة تشكيل أولويات السكان وتوقعاتهم. هذه التحولات قد تدفع باتجاه البحث عن حلول توفر الاستقرار وتحسن الظروف المعيشية، لكنها قد تولد أيضاً حالة من الاحتقان إذا استمرت الأوضاع الإنسانية في التدهور دون أفق واضح للحل.
المعادلة الأكثر تعقيداً في مستقبل غزة تتمثل في التوازن بين متطلبات الأمن والاحتياجات الإنسانية، حيث أثبتت التجارب السابقة أن تجاهل أحد هذين البعدين يؤدي غالباً إلى تجدد الأزمات. لذلك تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الأطراف المختلفة على صياغة معادلة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الأمني مع توفير مسار حقيقي لتحسين الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.

